السياسي الليبي

معارض للخطوط الحمراء في ليبيا والعالم Anti Red Lines in Libya and world

سعد الرياني : الخطر القادم من المرابيع

لقد كانت أحلام من  قاموا بالثورة وأرادوا منها التغيير إلى الأفضل كبيرة لدرجة أن أرواحهم دفعت رخيصة لتحقيقها إن لم يكن لهم فلإخوانهم ولمواطنيهم ولأجيال سوف تأتي بعدهم، ولعلنا ندرك بأن أروع التضحيات على الإطلاق حينما يضحي الإنسان بحياته في ريعانها، فيودع ساقطًا بينما يعبر من فوقه الآخرين حاملين المشاعل والرايات عنوانها بلا شك الحرية والكرامة والأمل في حياة أفضل، إنها حكاية تصدم التاريخ ليفسح لها المجال ويشرفها بصفحات ناصعة البياض وأحرف من نور تشع عبر الزمن القادم بلا نهاية.

أولئك الشبان الذين خرجوا في ساحات بنغازي لا يحملون معهم إلا إيمانًا عميقًا وقناعة راسخة بوجود حياة بعيدة خلف الشمس ملؤها الحرية وعنوانها الكرامة سلبها الطغاة من آبائهم وقد حانت الساعة لأن تعود الحقوق لأصحابها وإن كان ثمن ذلك باهظًا، فما كادت أولى الكلمات المتعطشة للحرية تخرج مترددة من الحناجر إلا وكانت آخر نظيراتها تهتف ذات الهتاف وتردد نفس العبارات التي اكتشفنا فجأة أنها مألوفة لنا وتدور في داخلنا عبر السنين.

ووسط ذهول الجميع كانت ليبيا مسرحًا يشاهده العالم جميعًا، وكانت فصول المسرحية تتابع لتحاكي مشهد الواقع الذي ألفته المظالم وأخرجه الزمن ولعب دور البطولة فيه كل الليبيين باختلاف أعراقهم وقبائلهم وانتماءاتهم التي كانت استثنائية للوطن هذه المرة، فوجدت صيحات مواطنو بنغازي لها صدى في كل شبر من ربوع بلاد الشمس والبحر والرمال الذهبية، فلم يرضى سكان مصراته المترفين بما يتعرض له أخوانهم في الشرق، وبنفس المشاعر الفياضة أطلقت الصيحات من جبل نفوسة بلهجة العرب والأمازيغ فحين تنادي ليبيا تتوحد اللغات واللهجات وتصبح الأصوات موسيقى ينصت لها الجميع، وبلمح البصر خرج المظلومين من أقصى الغرب يحملون ذات الشعار الذي حمله أهل الجنوب برغم الفواصل والصحاري الشاسعة، وكانت صورة رائعة احتوت على كل ما من شأنه أن يطلق خيال الشاعر والكاتب والأديب، فكانت الدماء تسيل رخيصة لتروي أرض لطالما تعطشت لها، وكانت أفراح الانتصارات تمتزج بمآسي فقدان الأحبة والخلان، وكانت زغاريد أمهات الشهداء تشق طريقها بصعوبة وسط الدموع، يا للفخر… فهذه ليبيا يا سادة، وهؤلاء هم أحفاد الشيخ الذي نال إعجاب شانقيه.

لقد كنا رائعين حين اشتدت الأزمات وفاحت رائحة الموت في كل شبر من بلادي، لقد توحدنا مثلما لم نتوحد من قبل، وبهذا صرنا أخوة ننتمي إلى ذات القبيلة بعد أن اختلطت دماء أبناء الوطن، لكننا وبعد أن حققنا الانتصار شعرنا بالنشوة وبعضًا من الغرور ولا نلام في ذلك؛ فعدونا كان الأكثر شراسة على كوكب الأرض، لكننا نلام إذ ترجلنا من على صهوات الجياد، ولطيبتنا تركنا لمن اعتقدنا أنهم حكمائنا جني الحصاد، ووثقنا بمقدرتهم على وضعنا على جادة الطريق الصحيح حيث ينبغي لنا أن نكون أسوة بشعوب الأرض، فما كان من أولئك إلا أن تسللوا في المناصب واعتلوها بعد أن قدمت لهم على آنية من ذهب، وبقدرة قادر وفي ظلام الليل ووسط فرحتنا واعتقادنا بأننا طردنا الطغاة إلى غير رجعة تحولت ثورة الشهداء من مطلب للحرية والكرامة إلى رغبة رخيصة للمصلحة والغنيمة والكسب غير المشروع.

تسلل الأشرار من خلف الستار ومن أروقة المرابيع وصالات الفنادق، ورائحة القبيلة النتنة تعبق من ثيابهم، تشكلوا بخبث وجهل وحقارة ليجعلوا من دماء الشهداء هدرا بلا معنى، وليصنعوا لنا طغاة جدد أكثر شراسة وأشد فتكًا بعد أن تمرسوا في ذلك في ظل من علمهم، فهم نفس الوجوه التي كانت في الماضي برغم تغير الملابس والتسريحات، وبرغم اختلاف الطريقة والمنهج إلا أن الغرض في النهاية واحد، إنهم نفسهم المدراء السابقين وإن لم يكن هم فأبنائهم هذه المرة، هم نفس المقاولين الذين عبثوا بمكتسباتنا وأموالنا وعاثوا فيها فسادًا، يساندهم ذات المسئولين المرتشين يسيرون لهم أعمالهم ويباركون لهم سرقاتهم، إنهم أعداء العلم والديمقراطية والحضارة، إنهم لا يهنئون ولا يطيب لهم العيش إلا بطريقة الطاغية وهي أنه عندما تكون جاهلا عليك أن تحتفظ بذات القدر من الجهل لمن تريد أن تحكمهم، وأنه وبحسب نظر هؤلاء الحقراء لا مكان لهم إلا في ظل الفساد الذي من خلاله يحققون مكاسبهم الرخيصة، إنهم أنفسهم من كانوا يقتاتون بفتات يرميه لهم طغاة ليبيا السابقين، واليوم قد أفاقوا من وسط الرماد ليكونوا حكامها القادمين.

لأجل هذا أخوتي الشرفاء عودوا فالخيل والعربات قابعة تنتظر، وبقايا رائحة الدخان لا زالت في الأنوف، وفوهات البنادق تنعم بدفء الرصاصات التي خرجت لقهر الظلم ودحر المتسلقين الفاسدين، عودوا فـإخوانكم الذين قضوا وودعوا بين أيديكم حملوكم الشرف والأمانة، إنها الأمانة التي عجزت الجبال على حملها فقبلتموها راضين مبتسمين حينما كنتم لهم مودعين، عودوا الآن وليس بعد أي وقت آخر فالشر لا يزال في مهده وهو ينتشر كالسرطان كل يوم في كامل الجسم، فكم هو مؤلم أن يختزل الوطن في منصب أو جاه أو سلطان، كم هو مخزي أن تتعالى بدعم من القبيلة والعائلة، كم هو مخيب للآمال أن يفرض علينا الجهل والمرض والخوف والفساد لأجل أن يعيش بعضنا حياة الغنيمة المترفة، كم هو محزن أن ينعم بعضنا بالرفاهية ونداس نحن بالأقدام.

فحين تكون تضحية الشهداء والجرحى والمفقودين، ودموع الأمهات الحزانى، ومرارة المعاناة التي غمرت قلوب المظلومين، وحالة الرعب التي لا زالت تعيش في نفوس الأطفال الأبرياء، وكل من عانى ولا زال من شر ما ثار لأجله طلاب الحرية حين يكون نتيجة كل هذا تغيير لعلم ونشيد لا أكثر، تكون التضحيات الجسام بلا قيمة ولا عنوان، ويكون مشهد النهاية مليء بالخيبة، ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

سعد الرياني

اقرأ للكاتب أيضا

3 رد على سعد الرياني : الخطر القادم من المرابيع

  1. سالم سلامة 23 فبراير 2012 عند 1:44 م

    ينصر دينك ؛؛؛يا سعد انت رياني حر وقد ابدعت واتمنى لك مزيداً من الابداع والتألق، لكن .. هذا وين كان زمان ؟

  2. عبدالله العبيدى 10 يناير 2012 عند 3:23 صباحاً

    لماذا الخطر قادم من المرابيع . الاجابة هى نفسها لأن أروقة المؤسسات السيادية كالمجلس والحكومة تفوح منه رائحة المرابيع . ففكر الطرف الأخر بنفس الاسلوب والكيفية . المشكل هو الواعز الدينى الذى ضعف فجأة بعد ان انتصرت الثورة .

  3. عبد النبي البشتي 9 يناير 2012 عند 1:08 م

    الحقيقة التي لابدا من الاعتراف بها هي أنه لن يتبق لنا الا “المرابيع” .لنأمل جميعاً أن تتمكن المرابيع من لم شملنا حتى في اسوأ نماذج”اللم” لعله يكون لنا يوم آخر نقوم فيه بثورة حقيقية متى أصبحنا بالفعل قادرين على ادارة وطن.

تعليقك

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s